مجمع البحوث الاسلامية

150

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

قال : من الّذي جعلوه شريكا ؟ فقيل له : هم الجنّ ، ويكون ذلك على سبيل الاستعظام لما فعلوه ، والانتقاص لمن جعلوه شريكا للّه . وقرأ شعيب بن أبي حمزة ( الجنّ ) بخفض النّون ، ورويت هذه عن أبي حيوة وابن قطيب أيضا . قال الزّمخشريّ : وقرئ على الإضافة الّتي للتّبيين ، والمعنى أشركوهم في عبادته ، لأنّهم أطاعوهم كما يطاع اللّه ، انتهى . ولا يتّضح معنى هذه القراءة ، إذ التّقدير : وجعلوا شركاء الجنّ للّه ، وهذا معنى لا يظهر ، والضّمير في ( وخلقهم ) عائد على الجاعلين ؛ إذ هم المحدّث عنهم ، وهي جملة حاليّة ، أي وقد خلقهم وانفرد بإيجادهم دون من اتّخذه شريكا له وهم الجنّ . فجعلوا من لم يخلقهم شريكا لخالقهم ، وهذه غاية الجهالة . وقيل : الضّمير يعود على ( الجنّ ) أي واللّه خلق من اتّخذوه شريكا له ، فهم متساوون في أنّ الجاعل والمجعول مخلوقون للّه ، فكيف يناسب أن يجعل بعض المخلوق شريكا للّه تعالى . وقرأ يحيى بن يعمر ( وخلقهم ) بإسكان اللّام ، وكذا في مصحف عبد اللّه ، والظّاهر أنّه عطف على ( الجنّ ) أي وجعلوا خلقهم الّذي ينحتونه أصناما شركاء للّه ، كما قال تعالى : أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ الصّافّات : 95 ، 96 ، فالخلق هنا واقع على المعمول المصنوع بمعنى المخلوق . ( 4 : 193 ) نحوه أبو السّعود ( 2 : 422 ) ، والآلوسيّ ( 7 : 241 ) رشيد رضا : وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ أي وجعل هؤلاء المشركون للّه سبحانه شركاء - وفسّر هؤلاء الشّركاء بالجنّ على طريق البدل النّحويّ - ولم يقل : وجعلوا الجنّ شركاء للّه ، بل قدّم وأخّر في النّظم ، لإفادة أنّ محلّ الغرابة والنّكارة أن يكون للّه شركاء لا مطلق وجود الشّركاء ، ثمّ كون الشّركاء من الجنّ ، فقدّم الأهمّ فالأهمّ . ولو قال : « وجعلوا الجنّ شركاء للّه » لأفاد أنّ موضع الإنكار أن يكون الجنّ شركاء للّه لكونهم جنّا ، وليس الأمر كذلك ، بل المنكر أن يكون للّه شريك من أيّ جنس كان . وفي المراد ب « الجنّ » هنا أقوال : أحدها : أنّهم الملائكة فقد عبدوهم ، روي هذا عن قتادة والسّدّيّ . والثّاني : أنّهم الشّياطين ، فقد أطاعوهم في أمور الشّرك والمعاصي ، روي عن الحسن ، وسنشير إلى شاهد يأتي له بعد عشرين آية . والثّالث : أنّ المراد ب « الجنّ » إبليس ، فقد عبده أقوام وسمّوه ربّا ، ومنهم من سمّاه إله الشّرّ والظّلمة ، وخصّ الباري بألوهيّة الخير والنّور . وروي عن ابن عبّاس أنّه قال : إنّها نزلت في الزّنادقة الّذين يقولون : [ وذكر ما تقدّم عنه ] ورجّحه الرّازيّ وضعّف ما سواه ، وقال : إنّ المراد بالزّنادقة : المجوس الّذين قالوا : إنّ كلّ خير في العالم فهو من « يزدان » وكلّ شرّ فهو من « أهرمن » أي إبليس . فأمّا كون إبليس والشّياطين من الجنّ فقطعيّ ، وأمّا كون الملائكة منهم فقيل : إنّه حقيقيّ ، لأنّهم من العوالم الخفيّة ، فتصدق عليهم كلمة الجنّ ، وقيل : إنّه مجازيّ ،